هل النيكوتين مفيد ؟ مراجعة علمية لتصريحات د/ ضياء عن السجائر في نظام الطيبات
folder_openدعم صحة الأطفال
commentلا توجد تعليقات

من بين التصريحات التي تستحق التوقف عندها، ما نسب إلى د. ضياء العوضي بشأن التدخين والنيكوتين؛ إذ تتناول هذه التصريحات عدة نقاط، ومن ذلك ما يخص موضوع السجائر في نظام الطيبات. من بينها أن السجائر لا تسبب العقم، وأن التدخين لا يضر الجنين أو البشرة. كما ذكر أن النيكوتين قد يكون مفيدا، إلى جانب الاستناد إلى بعض الملاحظات المتعلقة بسرطان الرئة والتدخين ومرض كوفيد-19.
ومع أهمية مناقشة هذه التصريحات، فإن تقييمها علميا يحتاج إلى التفريق بين المعلومة التي تدعمها دراسة محددة، وبين الاستنتاج العام الذي يمكن استخلاصه من مجمل الأدلة الطبية. وبالتالي، لا يكفي العثور على دراسة تشير إلى ارتباط معين. بل يجب النظر أيضا إلى نتائج الدراسات المتعددة والمراجعات المنهجية وتوصيات المؤسسات الطبية الكبرى.
السجائر في نظام الطيبات: ماذا تقول الدراسات عن أضرار التدخين؟
هل التدخين لا يسبب العقم؟
من التصريحات المنسوبة إلى د. ضياء العوضي أن التدخين لا يسبب العقم. لكن عند مقارنة ذلك بالأدلة الطبية المتاحة، نجد أن الصورة أكثر تعقيدا من مجرد القول إن كل مدخن سيصاب بالعقم. أو من الادعاء أن التدخين لا علاقة له بالخصوبة.
فوفقا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، يمكن أن يسبب التدخين مشكلات في الخصوبة لدى الرجال والنساء. إذ قد يجعل الحمل أكثر صعوبة لدى النساء
كما يمكن أن يؤثر في الحيوانات المنوية لدى الرجال، إضافة إلى ارتباطه بضعف الانتصاب، وهو عامل يمكن أن يؤثر بدوره في القدرة على الإنجاب.
وبعبارة أخرى، لا يعني ارتباط التدخين بزيادة مشكلات الخصوبة أن كل مدخن سيصاب بالعقم. وإنما يعني أن التدخين يمثل أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر سلبا في الخصوبة وتزيد احتمالية حدوث مشكلات في الإنجاب.
كما تشير توصيات منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض للتبغ يؤثر في مراحل مختلفة من التكاثر، وأن التدخين يمكن أن يؤثر في خصوبة الرجال والنساء.
لذلك، فإن القول إن التدخين لا يسبب العقم بصيغة مطلقة لا يعكس الصورة التي توصلت إليها الأدلة الطبية. والأدق علميا هو القول إن التدخين قد يضر بالخصوبة ويزيد بعض مخاطر مشكلات الإنجاب.
هل التدخين لا يضر الجنين كما ذكر عن السجائر في نظام الطيبات؟
هذه النقطة تحديدا تتعارض بصورة واضحة مع الأدلة الطبية المتاحة.
فالتدخين قبل الحمل وأثناءه يمكن أن يؤثر في صحة الأم والجنين. وترتبط به مجموعة من المضاعفات، منها انخفاض الخصوبة. ومشكلات الحمل، والولادة المبكرة. وتقييد نمو الجنين وانخفاض وزن المولود، إضافة إلى زيادة خطر وفاة الجنين وبعض التشوهات الخلقية. كما تشير الأدلة إلى تأثير التدخين في نمو رئتي ودماغ الجنين.
وتشير توصيات منظمة الصحة العالمية أيضا إلى ارتباط تدخين الأم بزيادة مخاطر الحمل خارج الرحم، والإجهاض. وولادة جنين ميت، والولادة المبكرة، وانخفاض وزن الولادة، وبعض التشوهات الخلقية. فضلا عن زيادة خطر متلازمة موت الرضع المفاجئ بعد الولادة.
ومن ثم، فإن الادعاء بأن التدخين لا يضر الجنين لا يتوافق مع الأدلة المتراكمة. بل إن المؤسسات الصحية تؤكد أن الإقلاع عن التدخين قبل الحمل أو أثناءه يمكن أن يحسن نتائج الحمل. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يقلل بعض المخاطر المرتبطة بالتدخين.

هل السجائر لا تضر البشرة
أما فيما يتعلق بالبشرة، فهناك أيضا أدلة علمية تشير إلى تأثير التدخين في صحة الجلد وظهور علامات الشيخوخة.
فدخان التبغ لا يقتصر تأثيره على الجهاز التنفسي، وإنما يحتوي على مواد يمكن أن تؤثر في الأوعية الدموية والأنسجة وآليات إصلاح الجلد. وبالتالي، فإن القول إن التدخين لا علاقة له بالبشرة يتجاهل الأدلة التي تربط التدخين بظهور علامات الشيخوخة الجلدية وتغيرات الجلد.
ومن المهم هنا التفريق بين أمرين: عدم كون التدخين العامل الوحيد المؤثر في البشرة، وبين القول إنه لا يؤثر فيها إطلاقا.
فالعمر والتعرض للأشعة فوق البنفسجية والعوامل الوراثية وغيرها تلعب أدوارا مهمة أيضا. لكن ذلك لا يلغي تأثير التدخين كعامل من العوامل المرتبطة بتدهور صحة الجلد وظهور علامات الشيخوخة.
(دراسة علمية منشورة من المكتبة الوطنية للطب عن دخان التبغ يسبب شيخوخة الجلد المبكرة)
هل النيكوتين مفيد كما قال د/ ضياء عن السجائر في نظام الطيبات؟
من أكثر النقاط التي تحتاج إلى توضيح أيضا، التفريق بين النيكوتين ودخان السجائر.
فالنيكوتين مادة فعالة تؤثر في الجهاز العصبي، كما أنها شديدة الإدمان. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن النيكوتين مادة شديدة الإدمان وضارة. خصوصا بالنسبة للأطفال والمراهقين والشباب الذين لا يزال الدماغ لديهم في مراحل التطور.
وفي الوقت نفسه، صحيح أن النيكوتين ليس المسؤول الوحيد عن جميع أضرار السجائر؛ فدخان التبغ يحتوي على آلاف المواد الكيميائية. ويضم مواد سامة ومسرطنة. لكن من هنا لا يمكن الانتقال إلى نتيجة مختلفة تماما، وهي أن النيكوتين مادة مفيدة أو أن تدخين السجائر آمن.
بل إن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن جميع أشكال استخدام التبغ ضارة، ولا يوجد مستوى آمن من التعرض للتبغ.
وبالتالي، يجب الحذر من الخلط بين وجود تأثيرات دوائية للنيكوتين وبين وصف النيكوتين بأنه مفيد بصورة عامة، خصوصا عند الحديث عن التدخين.
(دراسة علمية منشورة من منظمة الصحة العالمية عن التبغ والنيكوتين )
ماذا عن القول إن 60% من السرطانات ليست لدى المدخنين؟
هذه العبارة تحتاج إلى تحديد المقصود بدقة؛ لأن الحديث عن 60% من السرطانات يختلف تماما عن الحديث عن سرطان الرئة لدى غير المدخنين.
من المعروف علميا أن سرطان الرئة يمكن أن يصيب أشخاصا لم يدخنوا طوال حياتهم. كما أن هناك عوامل أخرى يمكن أن تساهم في الإصابة، مثل التعرض للتدخين السلبي وبعض الملوثات والعوامل البيئية والمهنية والعوامل الوراثية.
وقد بحثت دراسات في أسباب سرطان الرئة لدى الأشخاص الذين لم يدخنوا مطلقا، وأظهرت أن عوامل الخطر تختلف بين المناطق الجغرافية، وأن بعض عوامل الخطر المعروفة يمكن أن تفسر جزءا من حالات سرطان الرئة لدى غير المدخنين.
ولكن وجود حالات سرطان لدى غير المدخنين لا يعني أن التدخين ليس سببا رئيسيا للسرطان. فوفقا لمنظمة الصحة العالمية، يعد التبغ العامل الرئيسي لسرطان الرئة. وترتبط نسبة كبيرة من حالات سرطان الرئة بالتبغ. وفي إقليم منظمة الصحة العالمية في أوروبا.
على سبيل المثال، قدرت المنظمة أن 71% من وفيات سرطان الرئة لدى الرجال و46% لدى النساء كانت منسوبة إلى استخدام التبغ في عام 2021.
لذلك، إذا كان المقصود من رقم 60% أن نسبة كبيرة من السرطانات تحدث لدى غير المدخنين، فلا يمكن استخدام هذا الرقم وحده لنفي العلاقة بين التدخين والسرطان. كما أن أي نسبة محددة يجب أن ترتبط بنوع السرطان. وأيضا بالسكان الذين تمت دراستهم، والفترة الزمنية، وطريقة تعريف التدخين.
(دراسة علمية منشورة من الجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان عن تطور السرطان وأولوياته: سرطان الرئة)

السجائر في نظام الطيبات وكورونا: هل المدخنون لم يصابوا بالفيروس؟
ظهرت بالفعل خلال السنوات الأولى من جائحة كوفيد-19 دراسات رصدية أثارت تساؤلات حول العلاقة بين التدخين واحتمالية الإصابة بفيروس SARS-CoV-2.
ومن بين النتائج التي ظهرت في بعض التحليلات المبكرة أن نسبة المدخنين المسجلة بين المصابين بكوفيد-19 كانت أقل من نسبة التدخين في بعض المجتمعات.
بل أظهرت إحدى المراجعات السريعة والتحليلات التلوية، التي شملت 233 دراسة في إحدى مراحلها، انخفاضا ظاهريا في خطر الإصابة بعدوى SARS-CoV-2 لدى المدخنين الحاليين مقارنة بغير المدخنين. لكن الباحثين أكدوا في الوقت نفسه أن العلاقة السببية غير مؤكدة.
وهنا تكمن نقطة مهمة للغاية: انخفاض نسبة المدخنين المسجلة بين مجموعة من المصابين لا يعني أن المدخنين لم يصابوا بالفيروس، ولا يعني أن التدخين يحمي من العدوى.
بل إن منظمة الصحة العالمية حذرت صراحة من تفسير هذه الملاحظات على أنها دليل على أن التبغ أو النيكوتين يحمي من كوفيد-19، وأكدت أن الأدلة لا تكفي لإثبات أن النيكوتين يمنع أو يعالج المرض.
وعلاوة على ذلك، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن التدخين يضعف وظائف الرئة والجهاز المناعي، وأن المدخنين أكثر عرضة للنتائج الشديدة لكوفيد-19 مقارنة بغير المدخنين.
هل انتشار سرطان الرئة في أوروبا وأمريكا أكثر من الشرق رغم زيادة عدد المدخنين في الشرق؟
هذه المقارنة تحتاج أيضا إلى النظر إلى أكثر من عامل واحد.
فمن ناحية، تختلف معدلات سرطان الرئة بين الدول والمناطق بسبب اختلاف معدلات التدخين، وأعمار السكان، وأنماط التدخين، والتعرض للتدخين السلبي، وتلوث الهواء، والعوامل المهنية والبيئية، إضافة إلى الاختلافات الجينية والبيولوجية.
ومن ناحية أخرى، توجد بالفعل ظاهرة مهمة تتمثل في ارتفاع نسبة سرطان الرئة لدى بعض مجموعات غير المدخنين في مناطق من آسيا، وخصوصا بين النساء. وقد درست أبحاث عديدة هذه الظاهرة، وأظهرت اختلافات جغرافية واضحة في وبائيات سرطان الرئة لدى غير المدخنين.
كما تشير أبحاث جينية إلى وجود اختلافات في الأنماط الجزيئية لبعض سرطانات الرئة لدى الآسيويين غير المدخنين. وهو ما يوضح أن سرطان الرئة ليس مرضا له سبب واحد أو نمط واحد.
ومع ذلك، لا يمكن استخدام الاختلاف الجغرافي في معدلات سرطان الرئة لإثبات أن التدخين غير ضار. فحتى في أوروبا، حيث توجد عوامل خطر أخرى، تظل مساهمة التبغ في سرطان الرئة كبيرة للغاية. إذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن التبغ كان مسؤولا عن نسبة كبيرة من وفيات سرطان الرئة في المنطقة الأوروبية

السجائر في نظام الطيبات: ماذا تقول الأدلة العلمية عن آراء د. ضياء العوضي؟
عند النظر إلى هذه الادعاءات كل واحد منها على حدة، يمكن العثور أحيانا على معلومة جزئية صحيحة؛ فهناك بالفعل سرطان رئة لدى غير المدخنين
وظهرت دراسات مبكرة حول التدخين وكوفيد-19 بنتائج بدت غير متوقعة، كما أن النيكوتين ليس المادة الوحيدة الموجودة في دخان السجائر.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الملاحظات الجزئية إلى استنتاج عام بأن السجائر غير ضارة أو أن النيكوتين مفيد أو أن التدخين لا يؤثر في الخصوبة والحمل والسرطان.
فالأدلة الطبية الأوسع ترسم صورة مختلفة تماما؛ إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن التبغ يضر تقريبا بكل أعضاء الجسم. ويرتبط بالسرطان وأمراض القلب وأمراض الرئة وضعف الخصوبة وضعف المناعة، وأن جميع أشكال استخدام التبغ ضارة ولا يوجد مستوى آمن من التعرض له.
وبالتالي، فإن تقييم أي تصريح عن التدخين لا ينبغي أن يعتمد على دراسة منفردة أو رقم واحد، وإنما على مجمل الأدلة المتاحة، ونوعية الدراسات، وإمكانية تكرار النتائج، وما إذا كانت العلاقة إحصائية فقط أم مدعومة بآلية بيولوجية وأدلة سريرية ووبائية متوافقة.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل توجد دراسة قالت إن المدخنين كانوا أقل إصابة بمرض معين؟ أو هل يوجد أشخاص أصيبوا بالسرطان رغم أنهم لم يدخنوا؟، وإنما: هل تؤدي الأدلة مجتمعة إلى اعتبار التدخين آمنا أو مفيدا؟
وحتى الآن، لا تدعم الأدلة الطبية المتاحة هذا الاستنتاج.
تابع المزيد من مقالاتنا
نظام الطيبات ود. ضياء العوضي: ما قصته؟ وهل هو نظام غذائي جديد أم إعادة صياغة لأفكار قديمة؟
لماذا منع د. ضياء العوضي الفراخ والبط في نظام الطيبات؟ وهل تؤيد الدراسات العلمية هذا المنع؟
نظام الطيبات: كيف يصنف الأطعمة بين الممنوع والمسموح؟
التغذية الصحية للأطفال للحفاظ على النمو السليم: خطوات متكاملة ومثبتة علميا
ماذا يأكل الطفل أثناء نزلة البرد؟ دليل التغذية والسوائل أثناء المرض
