لماذا منع د. ضياء العوضي الفراخ والبط في نظام الطيبات؟ وهل تؤيد الدراسات العلمية هذا المنع؟
folder_openدعم صحة الأطفال
commentلا توجد تعليقات

من الأفكار التي تنسب إلى نظام الطيبات منع تناول الفراخ والبط والوز، مع طرح عدة أسباب تتعلق بالهضم والعدوى وتأثير هذه اللحوم في النوم والحالة النفسية وبعض الوظائف الجسدية.
وقال دكتور ضياء العوضي رحمه الله أن لحوم الدواجن صعبة الهضم وتسبب عسر الهضم، وأنها قد تحمل العدوى والسالمونيلا، كما يربط تناولها بالكوابيس واضطرابات النوم ونوبات الهلع وبعض أنواع الخوف، إضافة إلى الحديث عن تأثيرها في ضربات القلب والبلوغ وانتظام الدورة الشهرية.
لكن هذه الادعاءات ليست من نوع واحد؛ فبعضها يتعلق بسلامة الغذاء، وبعضها بالهضم، وبعضها بتأثيرات عصبية ونفسية أو هرمونية.
لذلك من الأفضل ألا نتعامل معها كفكرة واحدة، وإنما نسأل عن كل نقطة على حدة:
ونتعرف ماذا وجدت الدراسات فعلا وهل تتفق مع منع الفراخ والبط في نظام الطيبات؟
هل لحم الفراخ صعب الهضم؟
لا تظهر الأدلة المتاحة أن لحم الدجاج صعب الهضم بطبيعته عند الإنسان السليم.
بروتين الدجاج يخضع لعمليات الهضم والامتصاص المعتادة، ولا توجد قاعدة علمية معروفة تعتبر الدجاج من الأطعمة التي يعجز الجهاز الهضمي عن هضمها بسهولة.
لكن هذا لا يعني أن كل شخص يستطيع تناول أي وجبة من الدجاج دون أعراض.
فقد يشعر بعض الأشخاص بالامتلاء أو عسر الهضم بعد وجبات معينة، وقد يكون ذلك مرتبطا بحجم الوجبة أو محتواها من الدهون أو طريقة إعدادها، وليس بالضرورة بسبب لحم الدجاج نفسه.
وهنا يجب التفريق بين عبارتين مختلفتين:
“قد يسبب الدجاج أعراضا هضمية لبعض الأشخاص”
و
“الدجاج صعب الهضم بطبيعته.”
الأولى ممكنة بحسب الشخص والوجبة، أما الثانية فتحتاج إلى دليل سريري أقوى مما هو متاح حاليا.

هل الفراخ فعلا قد تحتوي على السالمونيلا؟
نعم، وهذه النقطة لها أساس علمي واضح.
الدواجن النيئة يمكن أن تتلوث بالسالمونيلا وغيرها من مسببات الأمراض.
وفي تحليل تلوي شمل 74 دراسة و21,824 عينة من لحوم الدواجن النيئة في الصين، بلغ معدل وجود السالمونيلا في الدجاج النيئ 26.4%، بينما بلغ 10.1% في البط. لكن هذه الأرقام تخص الدراسات التي شملها التحليل وفي منطقة جغرافية محددة، ولا يمكن تحويلها إلى قاعدة تقول إن كل دجاجة أو كل بطة مصابة.
(دراسة علمية منشورة من المكتبة الوطنية للطب عن انتشار ووبائيات السالمونيلا في لحوم الدواجن النيئة المباعة بالتجزئة في الصين: مراجعة منهجية وتحليل تجميعي)
وفي تحليل تلوي آخر شمل 78 دراسة من 21 دولة أوروبية، كان معدل وجود السالمونيلا في لحوم الدجاج أقل بكثير، إذ قدر بنحو 3.2%، مع اختلاف النتائج بين الدول وأنواع العينات.
(دراسة علمية منشورة من المكتبة الوطنية للطب عن انتشار مسببات الأمراض في لحوم الدواجن: تحليل تلوي للدراسات الاستقصائية الأوروبية المنشورة)
وهذا الاختلاف نفسه مهم؛ لأنه يوضح أن احتمال التلوث يعتمد على البلد وسلسلة الإنتاج والتداول وطريقة أخذ العينات.
إذن:
وجود السالمونيلا في الدواجن النيئة أمر مثبت.
لكن:
القول إن الفراخ دائما تحتوي على السالمونيلا غير دقيق علميا.
وهل وجود السالمونيلا يعني أن تناول الفراخ يسبب العدوى؟
ليس بالضرورة.
الخطر الأساسي يكون عندما تكون اللحوم ملوثة ولا يتم التعامل معها أو طهيها بصورة آمنة.
وهنا يجب التفريق بين:
الدجاج النيئ الملوث بالبكتيريا
و
الدجاج المطهو بصورة آمنة.
فالدراسة التي تثبت وجود السالمونيلا في الدجاج لا تثبت أن كل شخص يتناول الدجاج سيصاب بالسالمونيلا.
وهذه نقطة مهمة جدا؛ لأن سلامة الغذاء وطريقة التعامل مع الدجاج جزء أساسي من تقييم الخطر.

هل الفراخ تسبب الكوابيس كما يقول دكتور ضياء عن الفراخ والبط في نظام الطيبات؟
هنا تختلف الصورة تماما.
عند البحث عن دليل مباشر على أن تناول لحم الدجاج يسبب الكوابيس، لا توجد حاليا أدلة سريرية قوية تسمح بتقديم هذه العلاقة كحقيقة مثبتة.
صحيح أن العلاقة بين الطعام والنوم موضوع حقيقي، وأن بعض الظروف الغذائية أو الهضمية يمكن أن تتداخل مع جودة النوم.
لكن هذا شيء مختلف عن إثبات أن:
الدجاج → كوابيس.
حتى إثبات وجود علاقة بين اضطراب الهضم والنوم لا يكفي لإثبات أن الدجاج هو السبب.
لذلك، حتى الآن، لا توجد قاعدة علمية قوية يمكن من خلالها القول إن تناول الفراخ يسبب الكوابيس.
وماذا عن نوبات الهلع أم هي خرافة لمنع الفراخ والبط في نظام الطيبات؟
الأمر نفسه ينطبق على الربط بين تناول الفراخ ونوبات الهلع.
هناك اهتمام علمي متزايد بالعلاقة بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي، وبمحور الأمعاء–الدماغ، كما توجد أبحاث عن العلاقة بين النظام الغذائي والصحة النفسية.
لكن إثبات وجود علاقة عامة بين الغذاء والدماغ لا يعني أن نوعا معينا من اللحوم يسبب نوبات الهلع.
ولإثبات هذا الادعاء تحديدا نحتاج إلى دراسات بشرية تقارن بين استهلاك الدجاج وحدوث نوبات الهلع، مع التحكم في العوامل الأخرى التي تؤثر في القلق.
ولا يوجد حاليا دليل قوي يسمح بتقديم هذه العلاقة كحقيقة طبية.
هل يمكن أن تسبب الفراخ الفوبيا أو الخوف من المرتفعات؟
هذه من أكثر الادعاءات التي تحتاج إلى دليل مباشر.
الفوبيا اضطرابات محددة ومعقدة، ولا يكفي أن يكون هناك ارتباط عام بين التغذية والجهاز العصبي للقول إن طعاما معينا يؤدي إلى ظهور الخوف من المرتفعات أو غيره من أنواع الرهاب.
وبالبحث عن علاقة مباشرة بين تناول الدواجن وظهور الفوبيا، لا نجد دليلا سريريا موثوقا يثبت هذا الادعاء.
لذلك لا يمكن تقديمه باعتباره نتيجة علمية مثبتة.
وهل الفراخ تسبب الكلام أثناء النوم كما تناولت فكرة الفراخ والبط في نظام الطيبات؟
الكلام أثناء النوم ظاهرة معروفة ضمن اضطرابات أو سلوكيات النوم، وقد يرتبط بعوامل متعددة.
لكن لم نجد دليلا علميا مباشرا يثبت أن تناول الفراخ يؤدي إلى الكلام أثناء النوم.
وهنا تظهر أهمية عدم الخلط بين وجود تفسير نظري وبين إثبات العلاقة بالتجربة أو الدراسات السريرية.
ماذا عن اضطرابات النوم؟
هذه النقطة تحتاج إلى تفريق مهم.
يمكن للنظام الغذائي عموما أن يؤثر في النوم، كما يمكن لبعض المشكلات الهضمية أن تتداخل مع النوم.
لكن السؤال الذي يخص نظام الطيبات هو:
هل الدجاج نفسه يسبب اضطراب النوم؟
حتى الآن لا توجد أدلة قوية تسمح بتعميم هذه النتيجة على الأشخاص الذين يتناولون الدجاج.
وقد يحدث أن يتناول شخص وجبة كبيرة أو دسمة ليلا فيشعر بالامتلاء أو عدم الراحة، ما يؤثر في نومه، لكن ذلك لا يعني أن لحم الدجاج نفسه يمتلك تأثيرا مباشرا مسببا لاضطراب النوم.
هل تناول الفراخ يسبب سرعة ضربات القلب؟
يجب هنا أيضا التفريق بين الإحساس بالخفقان وبين وجود اضطراب حقيقي في نظم القلب.
قد يشعر الإنسان بخفقان بعد تناول الطعام لأسباب عديدة، كما يمكن للقلق نفسه أن يرفع الإحساس بضربات القلب.
لكن لا يوجد دليل قوي يثبت أن تناول لحم الدجاج عند عامة الناس يؤدي إلى اضطراب في ضربات القلب.
وبالتالي لا يمكن الانتقال من ملاحظة أن شخصا شعر بخفقان بعد وجبة تحتوي على الدجاج إلى استنتاج أن الدجاج هو سبب اضطراب القلب.

ماذا تقول الدراسات عن الفراخ والبلوغ وهل تتفق مع منع الفراخ والبط في نظام الطيبات؟
هذه من أكثر النقاط المثيرة للاهتمام، لأن هناك دراسة بشرية تناولت العلاقة مباشرة.
دراسة نشرت في Acta Paediatrica شملت 1,981 فتاة في سن المدرسة في شنغهاي، ودرست العلاقة بين استهلاك اللحوم والعمر عند بدء الدورة الشهرية.
وبعد ضبط عوامل مثل مؤشر كتلة الجسم والنشاط البدني والنوم والدخل والتعليم، وجد الباحثون أن ارتفاع استهلاك الدواجن ارتبط بزيادة احتمال بدء الدورة الشهرية في عمر أصغر.
(دراسة علمية منشورة من المكتبة الوطنية للطب عن ارتبط ارتفاع استهلاك الدواجن بسن مبكرة عند بدء الحيض)
ومن المهم جدا فهم معنى هذه النتيجة:
الدراسة لا تثبت أن الدجاج يسبب البلوغ المبكر؛ لأنها دراسة رصدية.
لكنها في الوقت نفسه لا تدعم فكرة أن تناول الدواجن يؤدي إلى تأخر البلوغ.
بل إن اتجاه الارتباط في هذه الدراسة كان معاكسا لذلك الادعاء.
وهذا يجعل هذه النقطة تحديدا بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل استخلاص علاقة سببية.
وماذا عن انتظام الدورة الشهرية؟
وجود علاقة بين التغذية والصحة الهرمونية أمر معروف، لكن هذا لا يعني أن كل طعام يؤثر في الدورة بالطريقة نفسها.
حتى الدراسة السابقة لم تبحث في عدم انتظام الدورة الشهرية، وإنما درست العمر عند بدء الحيض.
لذلك لا نستطيع استخدام نتائجها للقول إن الدجاج:
- ينظم الدورة،
- أو يسبب عدم انتظامها،
- أو يؤدي إلى اضطرابات هرمونية.
نحتاج إلى دراسات مختلفة تماما تبحث في استهلاك الدواجن وانتظام الدورة الشهرية حتى نستطيع الإجابة عن هذا الادعاء تحديدا.
إذن ماذا تقول الدراسات عن فكرة منع الفراخ والبط في نظام الطيبات؟
عندما نفصل الادعاءات عن بعضها، نجد صورة أكثر تعقيدا.
في موضوع العدوى: توجد أدلة قوية على أن الدواجن النيئة يمكن أن تحمل السالمونيلا ومسببات مرضية أخرى
موضوع الهضم: لا يوجد دليل قوي يجعل “صعوبة هضم الدجاج” صفة عامة ثابتة عند الإنسان السليم.
في موضوع الكوابيس والهلع والفوبيا والكلام أثناء النوم: لا توجد حاليا أدلة بشرية مباشرة قوية تثبت أن تناول الدجاج يسبب هذه الظواهر.
موضوع ضربات القلب: لا يوجد دليل كافٍ على وجود علاقة سببية عامة بين تناول الدجاج واضطرابات نظم القلب.
في موضوع البلوغ: توجد دراسة رصدية وجدت ارتباطا بين ارتفاع استهلاك الدواجن وبدء الحيض في عمر أصغر، لكنها لا تثبت السببية، ولا تدعم فكرة تأخر البلوغ بسبب الدواجن.
أما انتظام الدورة الشهرية، فلا توجد لدينا من هذه الأدلة ما يكفي للحكم بأن الدجاج يسبب اضطرابها.
الخلاصة
منع الفراخ والبط والوز يمكن مناقشته من عدة زوايا، لكن الأسباب المختلفة المنسوبة إلى هذا المنع لا تقف كلها على الدرجة نفسها من الدليل العلمي.
فوجود خطر التلوث بالسالمونيلا في الدواجن النيئة حقيقة علمية مدعومة بالدراسات، لكن هذا لا يعني أن كل دجاجة مصابة أو أن تناول الدجاج المطهو بطريقة آمنة يؤدي حتمًا إلى العدوى.
أما الانتقال من الدجاج إلى الكوابيس أو نوبات الهلع أو الفوبيا أو الكلام أثناء النوم أو اضطرابات ضربات القلب، فلا توجد حاليا أدلة بشرية مباشرة كافية تجعل هذه العلاقات حقائق طبية مثبتة.
وفي المقابل، عندما بحثنا عن العلاقة مع البلوغ، وجدنا دراسة رصدية مهمة تشير إلى ارتباط استهلاك الدواجن ببدء الحيض في عمر أصغر، وليس تأخره، مع ضرورة عدم اعتبار ذلك إثباتا للسببية.
وبالتالي، فإن السؤال العلمي الحقيقي ليس:
“هل الفراخ مفيدة أم ضارة؟”
بل:
“أي ادعاء تحديدا نريد اختباره، وما قوة الدليل الذي يدعمه؟”
تابع المزيد من مقالاتنا
نظام الطيبات ود. ضياء العوضي: ما قصته؟ وهل هو نظام غذائي جديد أم إعادة صياغة لأفكار قديمة؟
ماذا يأكل الطفل المصاب بالتهاب الحلق؟ أفضل الأطعمة والمشروبات لتخفيف الألم
التغذية الصحية للأطفال للحفاظ على النمو السليم: خطوات متكاملة ومثبتة علميا
ماذا يأكل الطفل أثناء نزلة البرد؟ دليل التغذية والسوائل أثناء المرض
