السكر والجلوكوز: بين أفكار نظام الطيبات والطب الحديث
folder_openدعم صحة الأطفال
commentلا توجد تعليقات

أثار د. ضياء العوضي، من خلال ما قدمه ضمن نظام الطيبات وفي العديد من حديثه عن التغذية وسكر الدم، مجموعة من الأفكار التي تختلف في بعض جوانبها عن التصور الشائع للسكر.. ومن بين هذه الأفكار أن الجسم يحتاج إلى كميات كبيرة من السكر يوميا. وأن السكر لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الوزن، وأن الجلوكوز يمثل غذاء أساسيا للمخ، كما تحدث عن تأثير الخوف والضغط النفسي في ارتفاع سكر الدم، وعن طريقة تعامل الجسم مع السكر بعد تناوله.
وبعض هذه الأفكار يرتبط بالفعل بعمليات فسيولوجية معروفة؛ فالجلوكوز مصدر أساسي للطاقة، ويمكن للجسم إنتاجه وتخزينه. كما يمكن لهرمونات التوتر أن تؤثر في مستوى الجلوكوز في الدم. لكن الانتقال من هذه الحقائق الفسيولوجية إلى استنتاجات تتعلق بكمية السكر التي يحتاجها الإنسان . أو تأثيره في الوزن، أو مفهوم مرض السكري، يحتاج إلى النظر في الأدلة العلمية بصورة أكثر تفصيلا.
في هذا المقال نستعرض أبرز الأفكار التي طرحها د. ضياء العوضي في هذا السياق. ونقارنها بما تقوله المراجع الطبية والدراسات العلمية الحديثة،
هل يحتاج الجسم إلى ربع كيلو سكر يوميا؟
يرى د. ضياء العوضي أن الجسم يحتاج إلى السكر، ويربط ذلك باعتماد المخ على الجلوكوز كمصدر للطاقة. وهذه الفكرة ترتبط بجانب صحيح من الناحية الفسيولوجية، وهو أن المخ يستهلك كمية كبيرة من الجلوكوز.
تشير مراجعة علمية إلى أن المخ البالغ يستهلك في الظروف الطبيعية نحو 20% من جلوكوز الجسم، بما يقارب 120 جراما من الجلوكوز يوميا.
لكن هناك فارقا أساسيا بين كمية الجلوكوز التي يستخدمها الجسم وبين كمية السكر الأبيض التي يحتاج الإنسان إلى تناولها.
فالجسم لا يحصل على الجلوكوز من السكر الأبيض فقط. ويمكن للكربوهيدرات الموجودة في الطعام أن توفر الجلوكوز بعد هضمها. كما يمتلك الجسم أنظمة للحفاظ على مستوى الجلوكوز في الدم عند الحاجة.

هل السكر والجلوكوز يمكن أن ينقذوا شخصا من غيبوبة نقص السكر؟
يمكن للجلوكوز أن يكون علاجا منقذا للحياة في حالات انخفاض سكر الدم، لكن ذلك يعتمد على حالة الشخص. فإذا كان الشخص واعيا وقادرا على البلع، يمكن إعطاؤه مصدر سريع للجلوكوز. أما إذا كان فاقدا للوعي أو غير قادر على البلع، فلا ينبغي إعطاؤه الماء أو السكر عن طريق الفم، ويجب طلب المساعدة الطبية واستخدام الجلوكاجون عند توفره وملاءمته للحالة.
هل السكر لا يسبب زيادة الوزن؟
لا يمكن اختزال زيادة الوزن في تناول السكر وحده، لأن وزن الجسم يتأثر بإجمالي الطاقة المتناولة والنمط الغذائي والنشاط البدني وعوامل أخرى. وفي المقابل، يمكن للإفراط في السكريات الحرة أن يزيد كمية الطاقة المتناولة، وقد يساهم مع الاستهلاك المستمر في زيادة الوزن.
توضح منظمة الصحة العالمية أن السكريات الحرة تزيد كثافة الطاقة في النظام الغذائي. وأن ارتفاع تناولها يرتبط بزيادة الوزن غير الصحي وزيادة خطر زيادة الوزن والسمنة. كما تشير إلى أن زيادة استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر ترتبط بزيادة الوزن.
الإفراط في السكريات الحرة يمكن أن يساهم في زيادة إجمالي الطاقة المتناولة، وبالتالي زيادة الوزن لدى بعض الأشخاص.
هل يستطيع الإنسان تناول أي كمية من السكر والجلوكوز دون أن يتعب كما قال د/ ضياء؟
لا توجد توصية طبية معتمدة تقول إن الإنسان يستطيع تناول أي كمية من السكر دون آثار صحية.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن تقل السكريات الحرة عن 10% من إجمالي الطاقة اليومية. وتقترح خفضها إلى أقل من 5% للحصول على فوائد إضافية. وتعادل نسبة 10% نحو 50 جراما يوميا في نظام غذائي يحتوي على 2000 سعرة حرارية.
وهذه التوصية لا تعني أن تجاوز 50 جراما في يوم معين سيؤدي تلقائيا إلى المرض. وإنما تعني أن الاستهلاك المرتفع والمستمر للسكريات الحرة ليس هو النمط الغذائي الذي توصي به الإرشادات الصحية.
كما أن السكريات الحرة لا تقدم فقط مسألة السعرات؛ فارتفاع تناولها يرتبط أيضا بتسوس الأسنان. وقد يؤثر في جودة النظام الغذائي عندما تحل محل أطعمة أكثر كثافة بالعناصر الغذائية.
هل السكر يدخل الجسم بسرعة لأنه سهل الهضم؟
السكروز، وهو سكر المائدة، يهضم إلى مكوناته الأساسية، الجلوكوز والفركتوز، ثم تمتص هذه السكريات من الأمعاء.
ولهذا يمكن للسكريات البسيطة أن تؤدي إلى ارتفاع سريع نسبيا في جلوكوز الدم مقارنة ببعض الأطعمة التي تحتوي على كربوهيدرات معقدة وألياف. وإن كانت الاستجابة تختلف بحسب نوع الطعام والكمية وتركيبه.
إذن يمكن القول إن السكر سهل الهضم والامتصاص نسبيا.
هل السكر لا يترك فضلات في الجسم؟
إذا كان المقصود أن السكر لا يحتوي على ألياف مثل بعض الأطعمة النباتية، فهذا صحيح في المعنى الغذائي المباشر.
لكن كلمة فضلات قد تكون مضللة إذا فهم منها أن السكر يدخل الجسم ثم يتحول بالكامل إلى طاقة دون أي نواتج أخرى.
لا يحتوي السكر الأبيض على ألياف غذائية، ويهضم السكروز إلى الجلوكوز والفركتوز ثم تمتص مكوناته في الأمعاء. وبعد الامتصاص تدخل هذه السكريات في مسارات أيضية مختلفة، بحسب احتياجات الجسم وحالته الأيضية.
لذلك فالأدق القول إن السكر لا يحتوي على ألياف أو مكونات غير قابلة للهضم مثل بعض الأطعمة. لكنه يخضع بعد الامتصاص لعمليات أيضية معقدة.
هل السكر والجلوكوز يدخلوا إلى الكبد مباشرة؟
هنا توجد نقطة صحيحة تشريحيا وفسيولوجيا، لكنها تحتاج إلى صياغة دقيقة.
بعد امتصاص كثير من المغذيات من الجهاز الهضمي، تنتقل عبر الشعيرات الدموية إلى الدورة البابية الكبدية، التي تنقل الدم من الجهاز الهضمي إلى الكبد. وتوضح المراجع الفسيولوجية أن المغذيات الممتصة من الأمعاء تدخل الجهاز الوريدي البابي ثم تصل إلى الكبد. حيث يمكن لخلايا الكبد استقلابها أو تخزينها أو تنظيم توزيعها في الجسم.
وبالنسبة إلى الجلوكوز الممتص من الأمعاء، فإن الدم القادم من الأمعاء يصل بالفعل إلى الكبد عبر الوريد البابي قبل أن يدخل الدورة الدموية العامة.
إذن عبارة «الجلوكوز الممتص من الأمعاء يصل إلى الكبد أولا عبر الوريد البابي» لها أساس تشريحي صحيح.
لكن هذا لا يعني أن السكر يدخل الكبد مباشرة بمعنى أنه يذهب إليه دون هضم أو امتصاص أو تنظيم. ولا يعني أن كل الجلوكوز يتم تخزينه في الكبد.

هل ارتفاع السكر لا علاقة له بالطعام وإنما بالحالة النفسية؟
الضغط النفسي يمكن أن يرفع سكر الدم بالفعل، وهذه نقطة مدعومة طبيا.
يوضح المعهد الوطني للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى أن الضغط النفسي العقلي يمكن أن يزيد مستوى الجلوكوز لدى الأشخاص المصابين بالسكري من النوع الثاني. بينما قد تكون الاستجابة أكثر تفاوتا لدى المصابين بالنوع الأول. كما أن الضغط الجسدي يمكن أن يرفع سكر الدم في كلا النوعين.
ويحدث ذلك لأن الجسم عند التعرض للخطر يفرز هرمونات مثل الكورتيزول والإبينفرين والنورإبينفرين. .
لكن وجود هذا التأثير لا يعني أن الطعام لا علاقة له بسكر الدم.
فالطعام، وخاصة الكربوهيدرات، يؤثر في مستوى الجلوكوز بعد تناوله. بينما تتداخل معه في الوقت نفسه عوامل أخرى مثل الإنسولين، وإنتاج الكبد للجلوكوز، والنشاط البدني، والمرض، والهرمونات والضغط النفسي.
إذن الصورة العلمية ليست:
الطعام أو الحالة النفسية.
بل:
الطعام + الإنسولين + الكبد + النشاط + الهرمونات + الحالة الصحية + عوامل أخرى.
هل يرتفع السكر عندما يخاف الإنسان بشدة؟
يمكن استخدام مثال الخوف الشديد لتوضيح وظيفة هرمونات التوتر.
عندما يواجه أي حيوان خطر مثل الأسد فيرتفع لديه السكر ورغم أن الأسد لم يأكل سكريات لكن حدث له توتر وخوف أدي لأرتفاع السكر
كذلك عندما يواجه الإنسان خطرا مفاجئا، يطلق الجسم استجابة الكر أو الفر. وتؤدي هرمونات التوتر إلى تغييرات تساعد على توفير الطاقة بسرعة، ويمكن أن يرتفع معها مستوى الجلوكوز في الدم.
ولهذا يمكن أن يرتفع سكر الدم لدى شخص لم يتناول السكر في تلك اللحظة.
لكن هذه الملاحظة لا تثبت أن الطعام ليس له تأثير في سكر الدم؛ إنها تثبت فقط أن الجسم يستطيع رفع مستوى الجلوكوز من مصادر داخلية عندما يحتاج إلى طاقة سريعة.
وهذا أمر مهم لفهم العلاقة بين الكبد والهرمونات وسكر الدم.
لماذا يختلف نظام الطيبات مع مفهوم مرض السكري؟
ينظر نظام الطيبات إلى مفهوم مرض السكر بصورة مختلفة، بينما تصنفه المراجع الطبية الحديثة بوضوح كمرض مزمن له معايير تشخيصية محددة.
من الناحية الطبية، السكري مرض مزمن ومعروف طبيا، وليس مجرد اسم غير رسمي لرقم مرتفع في تحليل الدم.
تعرف منظمة الصحة العالمية السكري بأنه مرض مزمن يحدث عندما لا ينتج البنكرياس كمية كافية من الإنسولين أو عندما لا يستطيع الجسم استخدام الإنسولين الذي ينتجه بفاعلية، ويؤدي ارتفاع الجلوكوز المزمن إلى أضرار في أجهزة متعددة من الجسم.
كما أن معايير الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2026 تضع معايير تشخيصية محددة للسكري باستخدام HbA1c أو سكر البلازما الصائم أو اختبار تحمل الجلوكوز أو السكر العشوائي في ظروف محددة.
وبالتالي، يمكن مناقشة لماذا يرتفع السكر وكيف ينظم الجسم الجلوكوز دون الحاجة إلى إنكار وجود مرض السكري كحالة طبية.
(دراسة علمية منشورة من منظمة الصحة العالمية عن كل ما تريد معرفته عن السكري)
هل أعراض السكري تظهر قبل ارتفاع السكر؟
لا يمكن الاعتماد على الأعراض وحدها لمعرفة مستوى سكر الدم أو تشخيص السكري. فقد يكون السكري موجودا دون أعراض واضحة، خصوصا في مراحله المبكرة، ولذلك يعتمد التشخيص على قياسات سكر الدم وHbA1c وغيرها من الاختبارات المعتمدة.
. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن أعراض النوع الثاني قد تكون خفيفة وقد تمر سنوات قبل ملاحظتها.
وفي المقابل، قد تظهر أعراض ارتفاع السكر عندما يصل إلى مستويات مرتفعة بما يكفي، مثل العطش وكثرة التبول والتعب وتشوش الرؤية وفقدان الوزن غير المقصود.
قد تظهر أعراض انخفاض السكر مثل التعرق والرجفة والجوع وتسارع ضربات القلب والارتباك. وعادة تتحسن هذه الأعراض مع تصحيح انخفاض السكر، لكن استمرار الأعراض بعد عودة مستوى الجلوكوز إلى النطاق الطبيعي لا يعني بالضرورة أن السبب هو السكر، وقد يحتاج الأمر إلى تقييم سبب آخر للأعراض.

ماذا تقول الأدلة عن السكر والجلوكوز في النهاية؟
الصورة العلمية أكثر توازنا من فكرة أن السكر عدو للجسم أو أنه يمكن تناوله بلا حدود.
الجلوكوز ضروري للحياة، والمخ يعتمد عليه بدرجة كبيرة كمصدر للطاقة.
وفي الوقت نفسه، السكر المضاف ليس مادة يحتاج الإنسان إلى تناولها بكمية محددة حتى يوفر الجلوكوز الذي يحتاجه الجسم.
والجسم يمتلك آليات دقيقة للحفاظ على مستوى الجلوكوز، ويمكنه إنتاجه وتخزينه واستخدامه بحسب الحاجة.
كما أن التوتر والخوف يمكن أن يرفعا سكر الدم من خلال الهرمونات، لكن ذلك لا يلغي تأثير الطعام والكربوهيدرات في سكر الدم.
أما السكري، فهو حالة مرضية معترف بها طبيا لها معايير تشخيص واضحة ومضاعفات معروفة، ولذلك لا يمكن اختزاله في فكرة أن السكر مجرد رقم أو أن الحالة النفسية وحدها هي التي تحدد مستوى الجلوكوز.
وفي المقابل، فإن وجود هذه الحقائق لا يعني أن كل ما يتعلق بالسكر ضار؛ فالمسألة الأساسية هي التمييز بين الجلوكوز كجزء أساسي من فسيولوجيا الإنسان، وبين الإفراط في السكريات الحرة كجزء من النظام الغذائي.
الخلاصة
يمكن فهم كثير من الأفكار المتداولة عن السكر عندما نفصل بين ثلاث مسائل مختلفة:
الجلوكوز الذي يحتاجه الجسم.
السكر الذي نتناوله في الطعام.
اضطراب تنظيم سكر الدم في مرض السكري.
فالخلط بين هذه المستويات الثلاثة هو ما يجعل بعض العبارات تبدو متناقضة، بينما تكون الحقيقة أكثر تعقيدا: الجسم يحتاج الجلوكوز، يستطيع إنتاجه وتنظيمه، ويمكن للتوتر أن يرفع مستواه، ويمكن للطعام أيضا أن يرفعه، بينما يؤدي اضطراب تنظيمه المزمن إلى حالة مرضية يمكن تشخيصها ومتابعتها وعلاجها.
تابع المزيد من مقالاتنا
نظام الطيبات ود. ضياء العوضي: ما قصته؟ وهل هو نظام غذائي جديد أم إعادة صياغة لأفكار قديمة؟
لماذا منع د. ضياء العوضي الفراخ والبط في نظام الطيبات؟ وهل تؤيد الدراسات العلمية هذا المنع؟
نظام الطيبات: كيف يصنف الأطعمة بين الممنوع والمسموح؟
هل النيكوتين مفيد ؟ مراجعة علمية لتصريحات د/ ضياء عن السجائر في نظام الطيبات
